مدينتنا سلا
يوليو 17, 2017
سلا هي مدينة مغربية عريقة وعاصمة عمالة سلا الواقعة بغربيّ البلاد. تقع المدينة على الضفة الشمالية لنهر أبي رقراق، على اليمين من مصبه في المحيط الأطلسي، بالقرب من العاصمة المغربية الرباط.
سميت قديما باسم شالة. وتعود بدايات المدينة، حسب المؤرخين، إلى العهد الموحدي (القرن 11 م)، وشهدت المدينة عنفوانها وازدهارها في تلك الحقبة. عرفت المدينة تطورا حضاريا عكسته مجموعة منجزات يأتي في مقدمتها المسجد الأعظم الذي أنشأه يعقوب المنصور الموحدي سنة 1196 م ويعتبر عهدالمرينيين، (القرن 14 م) فترة ازدهار عمراني وحضاري لا نظير له.
تعد مدينة سلا طيلة التاريخ الإسلامي نقطة عبور مهمة بين مدن وعواصم إسلامية حكمت المغرب، مثل فاس ومراكش. وبفضل وجود ميناء على سواحل المدينة الذي غدا مركزا للتبادل التجاري بين المغرب وأوروبا وأدى بدوره إلى استقرار واستمرار النشاط التجاري والصناعي إلى حدود القرن التاسع عشر الميلادي.
خلال العهد السعدي (القرن 17 م) تلاحقت هجرة الأندلسيين من شبه الجزيرة الإيبيرية وأسسوا كيانا مستقلا عن السلطة المركزية بمراكش عرف باسمجمهورية أبي رقراق، وكثفوا نشاطهم البحري الشيء الذي أعطى نفسا جديدا للمدينة أهلها لمنافسة جارتها مدينة الرباط اقتصاديا ،وتعد هذه الفترة من تاريخ مدينة سلا فترة الأوج والازدهار. في غضون القرن 19 م تضررت أمور المدينة إذ عرفت نوعا من الركود والانعزال بسبب تراجع نشاطها التجاري فأبدت اهتمامها بالجوانب الدينية والثقافية حتى فترة الحماية الفرنسية، أصبح معه مصير المدينة ونظامها مرتبطين بالأحداث التاريخية التي مضت.
يذكر بعض المؤرخين أن الفينيقيين اختاروا الموضع الذي تشغله شالة الواقعة جنوب الرباط الحالية كأول نقطة للماء قابلوها قرب المصب التي أصبحت عاصمة الفينيقيين، وكانت هذه المنطقة بمثابة المركز التجاري للفينيقيين في المغرب الأقصى.
و في القرن الرابع قبل الميلاد، أقام الرومان وبالموقع الحالي لشالة « مستوطنة سلا » (بالإنجليزية: Sala Colonia) بمكان كان حينها محتلا من طرف الفينيقيين. فأصبحت سلا بعدها مرفأ مزدهرا إلى نهاية الإمبراطورية الرومانية [9].
وقد وجدها الفينيقيون قبل ثلاثة آلاف سنة تقريباً مأهولة بعنصر الجيتول الأمازيغ الدين كانوا منتشرين في جل ربوع شمال أفريقيا. وقد اشتملت من كلمة جيتول كلمة جيزولن والتي تم نطقها جزولة باللسان العربي.
وقد أكد الرحالة الإدريسي أن جزولة في القرن الثاني عشر ميلادي كانت تعمر منطقة تمتد من مراكش إلى سلا حيث كان دورها هاما جدا إلى الحياة السياسية المغربية إلى عهد العلويين بالقرن السابع عشر.
برز اسم سلا في العصر الروماني، وفي المنطقة المحيطة والمجاورة للرباط التي أنشئت في العصر الإسلامي. واستمرت سلا القائمة قبالة موضع الرباط الحالية مزدهرة في العصر الروماني، وحدث أن تقلصت مكانتها بعض الشئ عند ظهور الوندال، ولم تلبث أن استعادت مكانتها في العصر البيزنطي [معلومة 1]
كانت شالة هي أهم المدن التي ارتبط بها موقع المدينة التي ستسمى فيما بعد برباط الفتح تاريخياً التي كانت حتى ظهور دولة المرابطين مجرد منطقة فضاء تقع شمالي مدينة شالة وترتبط بها إدارياً وتاريخيا.
بلغت شالة أوج عظمتها في أوائل القرن الثالث الميلادي، إذ كانت المرسى الوحيدة للمراكب الشراعية الرومانية التي تمد الرومان بسائر محصولاتها الزراعية وتستجلب منها أنواع المتاع وضروب المصنوعات الرومانية.
وقبل ظهور الإسلام بالمغرب كانت مصمودة بورغواطة تشكل أكبر قوة بشرية بالمنطقة وبسواحل الأطلسي. وقد كان الرومان يولون اهتماما خاصا لضفتي أبي رقراق وعملوا على اقتلاع عنصر الجيتول من الناحية في زمن غير محدد.
وقد قاوم بورغواطة الإسلام والفتوحات العربية ووقفوا لمدة أربعة قرون ونصف ضد كل دخيل على سلطتهم.
ظلت سلا خاضعة للحكم البيزنطي إلى أن قام القائد عقبة بن نافع بفتحها عام 62 هـ (682 م) وأسلم أهلها على يديه ولكنهم ما لبثوا أن ارتدوا عقب مقتله في تهودة عام 64 هـ (684 م) ثم عادوا وأسلموا مرة ثانية عام 90 هـ(709 م) على يد القائد موسى بن نصير [10][11].
كما أن الأدارسة عملوا على تضييق الخناق على بورغواطة بسلا مما جعل هؤلاء ينقلون عاصمتهم إلى مدينة أزمور بدكالة وبقيت سلا مع ذلك غير مأهولة، أما بنو يفرن الزناتيون الذي مروا بدورهم من سلا وجعلوها عاصمة لهم، حسب ابن خلدون فإنهم لم يتركوا آثارا بها. فقد حكموا فاس إلى جانب مغراوة وقاموا بمناوشات ضد بورغواطة لمدة طويلة، ورغم تواجد بورغواطة بسلا، فإن الأندلسيين الأوائل الذي قدموا إلى المغرب ساكنوا في سلا في ظل العنصر البرغواطي ونذكر هنا عائلات مثل ابن خيرون وابن عشرة الذي كانوا يعرفون أيضا باسم بني قاسم، وهكذا بدأت النواة الرئيسية لسلا تتشكل، كما أن الطبقة الأرستقراطية بسلا بدأت تظهر بقدومالأندلسيين منذ القرن الثاني عشر [9].
كان من حسن طالع الموحدين أنهم تمكنوا في مدة قصيرة من وضع نهاية للمقامة المضادة في المغرب والشمال الإفريقي، فنعمت البلاد ولأمد طويل بالهدوء والاستقرار مما سمح بالتوسع في تنظيم الدولة سياسياً وإداريا وتزويدها بالقوة الحربية في البر والبحر.
خاض عبد المومن بن علي الموحدي معارك طاحنة من أجل توحيد شمال أفريقيا والأندلس. وكانت مدينة سلا من أهم الحصون التي فتحها سنة 540 هـ (1145 م)، وذلك بعد حصار وامتناع من أهلها، وقد روى أحد المؤرخين قصة هذا الفتح فقال:
|
| كان فتحها على يد رجل يسمى يبورك وابنيه محمد وعلي، وذلك أنهم أرسلوا إلى الموحدين فوصلوهم ليلاً وصنعوا السلاليم فصعدوا بها على السور، وقتلوا كل من وجدوه على السور، ودخلوا سلا، ووجدوا فيها أناساً، وهرب آخرون في حلق الوادي فرجع عليهم فغرقوا، فعيَّد فيها عبد المومن عيد الأضحى، وولى عليها عبد الواحد الشرقي، وأقامت سلا على طاعة الموحدين إلى أن ظهر الماسي المعروف بابن هود ببلاد السوس فقتل أهل سلا عاملهم وقدموا والده هوداً فبقي بها إلى أن قتل ابنه، ودخلت البلاد، وعادت إلى طاعة الموحدين إلى انقضاء دولتهم |
|
— (البيان المغرب – 3/20)
| ||
.
اهتم الخليفة عبد المومن بالبحرية، لما لهذا الجانب من أهمية في الإستراتيجية الحربية، فعني بإنشاء الأساطيل حتى بلغ عددها أربعمائة قطعة، ويقرر ابن خلدون بأن أساطيل المسلمين وصلت في عهد هذا الأمير إلى ما لم تصل إليه من قبل ولا من بعد من ناحية العدد، ولا من ناحية جودة الصناعة وإتقان الحيل الهندسية والعلم بشؤون البحر.
وفي هذا العهد كانت المدن الواقعة على البحر في المغرب والأندلس والشمال الإفريقي تعج بالحركة والنشاط وكمثال على ذلك ما أورده المؤرخ أحمد بن خالد الناصري في الاستقصا، ويخص ترسانة مدينة سلا، وهي دار الصناعة التي كانت تصنع بها الأساطيل البحرية، يجلب إليها العود من غابة المعمورة القريبة منها، فتصنع هناك ثم ترسل في الوادي، وكان ذلك من الأمر المهم في دولة الموحدين.
خلف بنو مرين الموحدين في الربوع الإفريقية، وخضعت العدوتان (سلا والرباط) لأبي يحيى بن عبد الحق المريني منذ 647 هـ (1250 م)، ولكن حظ سلا فكان أحسن حيث أقبل المرينيون على توسيعها وتجميلها حتى صارت شيئا فشيئا مركزاً نشيطاً للتجارة والأعمال. ويشير مارمول في هذا الصدد:
|
| أن مدينة سلا منذ القرن الثالث عشر كانت الميناء الأكثر غنىً ويسراً لمملكة فاس. فتجار مدن: بِيزَا وجِنْوة والبندقية كانوا يشترون من مدينة سلا الصوف والجلود والثياب والزرابي والعاج والشمع وعسل مكناس وبالمقابل يبيعون القماش والأشياء المصنوعة |
|
—X
| ||
ولم يخل هذا الازدهار من إثارة الأطماع نحو المدينة فقد تنازع الاستيلاء عليها المرينيون والمسيحيون. ففي سنة 659 هـ (1260 م) بعث ملك قشتالة ألفونسو الحكيمسرية استولت على مدينة سلا في بحبوحة عيد الفطر فقتلت الرجال وسبت النساء والأطفال. فكانت أول مدينة مغربية تتعرض لهجوم الأوربيين، وهب السلطان أبو يوسفمن تازة لفك الحصار الذي استمر أربعة عشر يوما تحصن خلالها والي العدوتين يعقوب بن عبد الله في (رباط الفتح) فجلا الإسبان بعد أن نقلوا معهم أسراهم من السلاويين [12][13][14].
استولى السلطان أبو يوسف على المدينة فقام بسد الثغرة المفتوحة في السور الغربي والتي سمحت بالدخول إلى ساحة المدينة، وبنى بعد ذلك ورشة سفن حربية وكان مدخلها هو الباب الأثري المفتوح في الواجهة الشرقية للمدينة المسمى باب لمريسة والذي يعرف اليوم بباب الملاح [12][15].
وفي سنة 1279 م، أعطى أبو يعقوب بن أبي يوسف أوامره بقصد الإغارة على الجزيرة الخضراء، بتجهيز سفن سلا والمدن الشاطئية الأخرى وجمعها في سبتة وطنجةوسلا، وأنه في سنة 1285 م كانت مساهمة سلا وحدها في الأسطول تتمثل في ست وثلاثين سفينة حربية تحت أوامر أبي يعقوب.
عاش الشاعر الأندلسي لسان الدين بن الخطيب في عهد أبو الحسن علي بن عثمان خلال منفاه بين 1360 م و1363 م، بمدينة سلا وسكن درب الشماخ بالمدينة القديمة[16]، وذكرها في مقامة البلدان [17]:«وهي ـ على الجملة ـ من غيرها أوفق، ومغارمها ـ لا حترام الملوك الكرام ـ أرفق، ويتأتي بها ـ للعباد ـ الخلوة، وتوجد عندها ـ للهموم ـ السلوة».
و لما قدم على هذه العدوة من بلاد الأندلس مع سلطانه معزولين وطاف بلاد المغرب ورأى مدنه وأمصاره لم يقع اختياره في السكنى إلا على مدينة سلا، فطلب الإذن من السلطان المريني، وقال [17] :
|
| ثم أسعف قسدي في تهيء الخلوة بمدينة سلا منوه الصكوك مهنأ القرار، متفقدا باللها والخلع مخول العقار، موفور الحاشية مخلى للبني وبين إصلاح معادي |
|
—X
| ||
فقد وفدت على سلا مجموعات سكنية هامة من سبتة وتطوان وتلمسان ووهران وبجاية وقسنطينة وطرابلس وحتى من سوريا وتركيا. كما أن عناصر أوربية أخرى استوطنت سلا وأغنت تراتها وتعدديتها [18]. ويذكر الباحث الإنجليزي كنيت براون أن أغلب السكان النصارى واليهود والمجوس الذين جاؤوا إلى حاضرة سلا اعتنقوا الإسلام ويذكر المؤرخ محمد بن علي الدكالي أن اليهود الذين هاجروا من إسبانيا سنة 898 هـ (1492 م) جلبوا معهم جملة من مظاهر الرقي الأندلسي إلى سلا. والجدير بالذكر أن ما يقرب من 400 أرملة يهودية استقر بهن الحال بسلا إثر طردهن من البرتغال عند نهاية القرن 16 م وكن يمتهنّ طرز « الصقلي » وكن يعلمن نساء المدينةمسلمات ويهوديات. ويضيف المؤرخ بن علي الدكالي أن اليهود عاشوا في رخاء كبير من القرن 3 م إلى القرن 18 م بحكم احتكارهم للتجارة والمعاملات المصرفية وقيامهم بمهام مخزنية هامة مثل السفارة لدى أمم أوروبا، فقد حضوا بثقة السلاطين وأبرزهم موشي بن العطار المنتمي لعائلة سلاوية معروفة بالتجارة وقد شغل وظيفة المصرفي العام لدى السلطان مولاي إسماعيل بن علي الشريف في بداية القرن 18 م ووقع معاهدة 1721 م مع الإنجليز باسم السلطان وكان في نفس الوقت نقيب اليهود المغاربة.
منذ دخلت مملكة غرناطة تحت الحكم الإسباني سنة 898 هـ (1492 م) انتهى الوجود العربي في الأندلس، وبدأت مطاردة المسلمين قتلاً وتشريداً، وتنصيراً، وكان الاضطهاد الكنسي موازياً لجميع الحملات المتربصة بهم في كل مكان، ففر من فر وهاجر من هاجر، وتقاطرالموريسكيون على الشمال الإفريقي، وخصوصاً النواحي الشمالية من المغرب وتونس، وقد تعرض كثير منهم للنهب وسبي بناتهم من طرفالأعراب، قبل أن يتمكنوا من الاستقرار نهائياً بالمراكز التي اختاروها. وكان من الموريسكيين الذي استقروا بمدينة سلا من أصل « الهورناتشوس » من منطقة إكستريمادورا، وقد كون هؤلاء عشيرة ذات امتيازات خاصة بإسبانيا حيث كان لهم حق حمل السلاح باعتراف من الملك فيليب الثاني مقابل أداء ثلاثين ألف دوقة. وبما أنهم محاربون ومهرة في استعمال الأسلحة النارية، فقد حملوا معهم إلى مقامهم الجديد غريزتهم في السيطرة وحب الاستقلال، ولذلك كان عليهم أن يلعبوا الدور الرئيسي في المدينة التي تبنوها، فقاموا بترميم الأسوار وتعزيز الأبراج وفتح منافذ لبطاريات المدافع في القصبة التي نقل السلطان زيدان الناصر بن أحمد السعدي إليها مختلف أفواج الموريسكيين المنبتة في بعض أقاليم المغرب، محاولاً تقوية مركزها الاقتصادي بالتنازل لها عن رسوم (ديوانة الميناء)؛ وبدأوا يباشرون القرصنة في المحيط الأطلسي، ويقدمون عشر مواردهم إلى السلطان زيدان الناصر بن أحمد الذي اعترف لهم بهذه الطريقة، ولكن عدم مساعدتهم له عسكريا، جعلته يلجأ إلى تسليط أبي عبد الله العياشي عليهم [9].
إن ثروات الهورناتشوس وروح المقاومة لديهم، والحماس والثبات العنيد للأندلسيين والاستعمال الحصيف للمنشقين وتشغيل الأساريالمسيحيين بدون رحمة لمساعدة الأهالي المغاربة في حمل السلاح، كل ذلك سمح لهؤلاء الذي جمعهم التاريخ تحت اسم السلاويين أن ينجزوا تنظيماً حقيقيا للقرصنة ما لبثت أن كانت نتائجه مدوية. وكانت الضحايا الأولى هي السفن الإسبانية وتلتها فيما بعد السفن المسيحية والتي سارت فريسة سهلة أمام قراصنة مدينة سلا الأشداء.
وبمرور الزمن اتضح وجود انقسامات عميقة بين السكان الأصليين في سلا والموريسكيين في الرباط، وكذلك بين الموريسكيين الواقعين تحت سيطرة « الهورناتشوس » في القصبة واللاجئين الآخرين الذين كان عددهم يتزايد يوماً عن يوم، وكانوا يتحملون على مضض سيطرة واستبداد مواطنيهم، ويتألمون من جراء إبعادهم عن الحكومة وبخاصة الإحباط الذي يشعرون به من حرمانهم من الأرباح التي تجنيها المدينة من مختلف الجبايات، وقد طالبوا بإلحاح بأخذ نصيبهم في الإدارة والاستفادة من مداخيل الجمرك، لكن الهورنتسوش رفضوا طلبهم.
وفي سنة 1629، أخذت شكواهم شكل حرب أهلية انتهت بعد أن توقف القنصل الإنجليزي جون هارسون في التوسط بينهم بمساعدة رئيس جماعة دينية محلية. وقد أدت هذه الحرب إلى انخفاض في نشاط القراصنة بسلا.
وهكذا عرفت مدينة سلا أحداثا سياسية خطيرة خلال العصر السعدي الثاني، فقامت فيها إمارة المجاهد العياشي تلميذ الولي عبد الله بن حسون أحد صلحاء سلا، الذي كاد يستولي على المغرب كله، وقويت في مرافئها حركة سفن الجهاد، الأمر الذي أدى إلى قيام جمهورية بورقراق وسيطرة الدلائيين عليها جميعاً في الأخير. ويمكن أن نتصور – كما يقول العلامة محمد حجي – مدى الثراء الضخم في هذه المنطقة إذا عرفنا أن المجاهدين البحريين أو القراصنة السلويين كما يسميهم الأوربيون، غنموا في ظرف عامين فقط أربعين سفينة، واستولوا فيما بين 1618 – 1626 على ستة آلاف أسير من الإفرنج، وخمسة عشر مليون ليبرة. غير أن هذا الازدهار الاقتصادي الهائل لم يواكبه ازدهار علمي مناسب، وربما كان من أهم الأسباب تلك الاضطرابات والمشاكل الداخلية التي كان المغرب يتخبط فيها، وبخاصة احتلال الشواطئ الذي جعل السلويين ينصرفون إلى مقاومة العدو في المعمورة والجديدة فضلاً عن العمل في الجهاد البحري. وتجدر الإشارة إلى أن المؤلفات الأجنبية قدمت معلومات أوفر عن هذه الظاهرة غير أن ذلك لم يكن إلا ارتباطاً بالتاريخ السياسي والاقتصادي للدول الأوربية في علاقتها بالمغرب على المستوى التجاري والدبلوماسي، ومن منظور يتسم بالانحياز الشديد لطروحاتها المتأثرة بالانتماء الديني والسياسي ومعلوم أن الملوك العلويين تحكموا على العموم في حركة الجهاد البحري التي عرفت تراجعاً بطيئاً معهم، وأصبحت الميزة الأساسية لمصب أبي رقراق هي سيادة الهدوء في عهد السلطان إسماعيل الذي راقب مراقبة شديدة هذه المنطقة [19]. وتتجلى مكانة سلا عند هذا الأخيـر بعد استرجاع مدينة المهدية من يـد الإسبان 1092 هـ (1681 م)، وقد شارك في هذا الفتح كثير من المجاهدين السلويين [19].
كانت الأساطيل القرصنية محط رعاية ملوك الدولة العلوية بمصب أبي رقراق (سلا والرباط) لأنها كانت تشكل حاجزاً دفاعياً ضد المغير الأوربي الذي بدأ يتعلل آنذاك بأبسط الأسباب للتدخل في المغرب، وكان هذا الأسطول يقض مضاجع الغربيين الذين انبثوا على الساحل، فالإنجليز في طنجة والبرتغاليون في البريجة (الجديدة) والإسبانفي المعمورة (المهدية) وأصيلا والعرائش. بينما طفق الفرنسيون يمخرون بسفنهم الحربية على طول المراسي المغربية بين الريف ومصب الملوية عباب البحر الأبيض المتوسط حيث حصن السلطان مولاي رشيد مرسى الحسيمة ونكّور.
وكان أهم شيء قام به السلطان مولاي إسماعيل في سلا هو التفاته إلى مسألة الماء الذي كان قليلاً بالمدينة أو نضب بسبب فساد أو تخريب الساقية الجارية فوق سور الأقواس، وتلاشي القنوات بالمسجد الأعظم لطول الزمن، فعمل على إصلاح ذلك، وأمر بتحبيس دخل حوت الشابل – المصطاد في نهر أبي رقراق – على إنجاز هذا المشروع الذي تم يوم الاثنين 16 ذي الحجة 1123 هـ (25 يناير 1712 م). وبذلك وصل الماء الجاري إلى سلا وجرى بخصة الجامع الأعظم في هذا اليوم أعقبته مشاريع عمرانية أخرى سيكون لها تأثير على المجتمع السلاوي. وقد أمر هذا السلطان ببناء مسجد يعتبر من أهم مساجد المدينة وهو المعروف بمسجد سيدي أحمد حجي، يوجد بالسوق الكبير [9][20]. وبعد وفاة هذا السلطان تغيرت الأمور بحيث لم تسلم المدينة – كسائر مناطق المغرب – من الهزات السياسية العنيفة التي عرفتها البلاد. ذلك أن عبيد قصبة أكنَأوَة ساموا أهل سلا بالذل والهوان، مما أدى إلى انتشار الفتن. وقد تمكن قائد سلا الجديد عبد الحق فنيش من طرد هؤلاء العبيد من القصبة المذكورة، ولكنه استبد بالأمر حيث عرف بلغظته وقساوته. ومما زاد من تفاقم الأوضاع أنه استقبل المستضيئ بن إسماعيل بمدينة سلا في رجب 1156 هـ وبايعه ضداً على أخيهعبد الله، وانعكست هذه الأوضاع سلبا على النشاط التجاري بالمدينة، كما تعطلت حركة الأسطول للقرصنة السلوية مدة طويلة إلى أن اجتمعت الكلمة على السلطان محمد بن عبد الله عام 1171 هـ (1757 م) الذي وضع الأسس لبناء أسطول وطني قوي، وكان للمغرب في عهده – حسب المؤرخ الناصري – خمسون سفينة بقيادة ستين رئيساً أو ضابطاً يشرفون على خمسة آلاف بحار وألفين من الرماة.
في 15 أبريل 1757 م، دمر زلزال مدمر عدة بنايات بمدينة سلا.ثم في 12 أبريل 1773، دمر زلزال عنيف مدينة طنجة تدميرا شبه كلي فيما انهارت عدة منازل بفاسفيما شعر سكان سلا بالهزة.
كانت أوروبا في غمرة من الاضطرابات زادها تأججاً انبثاق الاستعمار الناشئ والتسابق نحو غزو الشرق الأقصى وتعزيز الصناعة الأوروبية بموارده الأولية، بينما كانتالإمبراطورية العثمانية تسير في طريق الأفول تحت ضربات الأحلاف الأوروبية – وخاصة منها التحالف المقدس عام 1815 م – التي أدت إلى تجريد ملك المغربسليمان بن محمد بن عبد الله (1206 هـ – 1238 هـ) من أسطوله بدعوى مساندته للقراصنة، وحاول نابليون الأول آنذاك الضغط على المغرب للانضمام إلى كتلة الحصار القاري، وشعر المغرب بالدور الذي بدأت فرنسا تقوم به لاحتلال الشمال الإفريقي.
وفي سنة 1851 م تعرضت مدينة سلا للقصف الفرنسي. قال جاك كايي في كتابه المعنون شارل ياجرسميد، القائم بأشغال فرنسا بالمغرب (1820-1894):
|
| في يوم الثلاثاء فاتح أبريـل 1851 م وصل مركب صغير إلى مصب أبي رقراق محملاً ببضائع مختلفة منها القمح، وكان قائدها هو القبطان (جوف) غير أنه حرن أمام ساحل سلا الحالي، فجرت للحين محاولة لانقاذه بتخفيف حمولته، فأرسل البعض إلى الرباط حيث بيع وأنزل طرف آخر بشط النهر، بينما بقيت كمية أخرى بقعر المركب لم يتيسر – لسقوط الظلام – تفريغها. وفي الليل جاء الوكيل الفرنسي الرباط (دوزان) وعد ما تبقى منها فكان 57 عدلاً من القمح.
وفي صباح يوم 2 أبريل، كانت مئات السكان بالمدينة وأحوازها، مجتمعة على الضفة اليمنى منتظرة الجزر لنهب الأكياس، وهو ما فعلوه قهراً مع الحراس القليلين، ولما سمع بذلك عامل سلا محمد زنيبر جاء على رأس مائتين من المخازنية، وشاهد ذلك، وقدرت الخسارة من الجانب الفرنسي بـ 11391 فرنكاً ذهبياً
|
|
.
لقد طالب الجانب الفرنسي بتعويض عن تلك البضاعة المنهوبة، وجرت مفاوضات بين ممثل فرنسا ومحمد الخطيب نائب السلطان بطنجة لم تسفر عن أية نتيجة! وبعد بضعة أشهر ارتأت فرنسا اللجوء إلى الانتقام بالقوة، من أهل سلا.
وفي 16 نونبر 1851 م عين وزير البحرية الفرنسية قائداً للحماية هو الكونطراميرال دوبورديو وجعل تحت تصرفه أسطولا يتألف من خمسة قطع. وفي الساعة العاشرة من يوم 25 نونبر بدأ القصف! الذي ألحق أضراراً فادحة بأسوار المدينة، ومسجدها الأعظم وبمناره الذي أصيب بست قذائف، كما هدمت بعض المنازل، واشتعلت النيران في الأخرى. ونتج عن ذلك قطع العلاقات بين المغرب وفرنسا لعدة شهور [21].
أصدرت الإدارة الفرنسية في 17 ذي الحجة 1340 هـ (16 مايو 1930 م) ظهيرا بربريا، حاولت من خلاله خلق نوع من الفصل بين المغاربة الذين يتكلمون العربيةوالذين يتكلمون الأمازيغية؛ وذلك لجلب الأمازيغيين للفرنسيين بدعوى أنهم يعيشون في المغرب منذ القدم، وليس لهم ارتباط بالذين يتكلمون العربية، ويجب إحياء الأعراف القديمة لهم، مثل: ألا ترث المرأة، وألا تخضع لأحكام القضاء، وألا يكتبوا باللغة العربية، ولا يتعلموها ولا يتكلموا بها… فعمدت السلطات الفرنسية إلى تأسيس مدارس بربرية تدرّس فيها البربرية والفرنسية [22].
أمام هذه الغطرسة الاستعمارية تحرك شباب الحركة الوطنية في موجة احتجاجية سُميت بحركة « اللطيف » [معلومة 2]، وسميت بهذا الاسم لأنها اعتمدت في أساسها على اتخاذ المساجد كمنفذ أساسي لتوعية المغاربة بخطورة السياسة الفرنسية الرامية إلى إحداث التفرقة بين العرب والبربر، وطُلب من المصلين ترديد هذا الدعاء: «اللهم نسألك اللطف فيما جرت به المقادير ولا تفرق بيننا وبين إخواننا البرابرة» ثم سرعان ما امتد إلى فاس وغيره من مساجد المملكة، ليصبح حركة ستتجاوز الحدود الجغرافية الوطنية بفعل الدور الذي قام به شكيب أرسلان في الدعاية للظهير في المشرق العربي وبعض البلدان الأوربية [22].
وفي سنة 1934 م، سجن أحمد معنينو رفقة صديقه محمد حصار لمدة شهرين بسبب إقفال 20 خمارة بسلا ضمن مظاهرة شعبية كبيرة.
في نفس سنة تقدم عشرة من الوطنيين المغاربة من بينهم علال الفاسي والهاشمي الفلالي والمكي الناصري - وكان منهم أبو بكر القادري وهو إذ ذاك أصغرهم سنا (20 عامًا) - بمذكرة تضم مطالب الشعب المغربي في ميدان الحريات العامة كحرية الصحافة وإصلاح العدالة والقضاء على الفساد، لكن السلطات الفرنسية ماطلت وسوَّفت إلى أن أعلنت رفضها بشكل قاطع سنة 1936 م، وعقدت المجموعة مؤتمرا مصغّرا لصياغة مطالب مستعجلة للشعب المغربي في نفس الوقت الذي تقود فيه مجموعة من المظاهرات.
ثم في سنة 1936 م، سجن أحمد معنينو ستة أشهر مرة أخرى بسبب ترؤسه لمظاهرة للمطالبة بالحرية والصحافة، لذلك يعتبر أول صحفي مغربي يتلقى حكما لمشاركته في المظاهرة الداعية إلى حرية الصحافة.
في 29 يناير 1944 شنت السلطات الفرنسية حملة اعتقالات في صفوف أعضاء حزب الاستقلال وقادته، فعمت البلاد موجة من الإضرابات والمواجهات سقط فيها العديد من القتلى، خاصة في فاس والرباط وسلا، كما قدم عدد من المعتقلين إلى محكمة عسكرية بتهمة المساس بالأمن العام ونفذ حكم الإعدام فيهم. ونفى الاحتلال الفرنسي عدداً من قيادات الحزب، منهم علال الفاسي الذي أبعد إلى الغابون مدة تسع سنوات، وأحمد بلافريج الذي نفي إلى كورسيكا [23].
المقاطعات والأحياء
المقاطعات
تنقسم مدينة سلا، الذي تم زيادة منطقة خلال النصف الثاني من القرن العشرين إلى خمس مناطق البلدية حاليا : باب لمريسة، بطانة، حصين، لعيايدة وتابريكت.
تابريكت هي المقاطعة الأكثر سكانا بينما بطانة هي الأقل سكانا. عن طريق حساب الفرق لسكان هذه المنطقتين بين عامي 1994 و2004 نرى أن تابريكت وبطانة لهم فرق ب 100,000 نسمة. في عام 1994، كانت بطانة الدائرة الثالثة الأكثر سكانا، ولكن سكانها قد زاد قليلا في عشر سنوات، منذ تعداد عام 2004، هي الأقل من حيث عدد السكان البلدة.
المقاطعة الأكثر تقدما ديموغرافيا هي حصين، بين عامي 1994 و2004، تضاعف عدد السكان مرتين تقريبا من 74,930 نسمة إلى 163,672 نسمة. سكان أحياء باب لمريسة و لعيايدة وقد زادت كذلك من 114,120 إلى 140,383 لباب لمريسة ومن 83,777 إلى 118,233 للعيايدة [24].
| مقاطعة | السكان في عام 1994 | السكان في عام 2004 |
|---|---|---|
| باب لمريسة | 114,120 | 140,383 |
| بطانة | 102,142 | 103,165 |
| حصين | 74,930 | 163,672 |
| لعيايدة | 83,777 | 118,233 |
| تابريكت | 204,881 | 234,733 |
الأحياء
تعتبر مدينة سلا أختا منافسة للرباط،و تتميز بثقافة وهوية خاصة بها، كما أنها أقدم بكثير من الرباط (التي تأسست فقط في 1150 م، بينما سلا يعود تاريخها إلى العصر الروماني).يفصل نهر أبي رقراق مدينة سلا عن العاصمة الرباط. وتتألف مدينة سلا من عدة مناطق والتي هي أقدم المدينة العتيقة، الملاح (حي يهودي) والحي الفرنسي القديم المسمى بالرمل، والذي يتضمن كنيسة قديمة.
تأسست المدينة العتيقة في القرن الثاني عشر من طرف الموحدين في وقت مبكر، ويضم نوافير، رياضات ومساجد. يمكن باب لمريسة من دخول إلى المدينة القديمة.
يوجد أيضا بالمدينة القديمة حي القساطلة وهو تشويه لكلمة قشتالة. هذا « الحي القشتالي » استقر به العديد من الأسر ذات الأصول الأندلسية منذ عهد المرينيين، مثل بن سعيد، سمار، زنيبر، فنيش...
الملاح هو الحي اليهودي القديم استقر فيه جالية كبيرة من اليهود قبل سقوط غرناطة.
في الجدول التالي أسماء بعض الأحياء بمدينة سلا :
|
|
|
البلديات المحيطة
مقالة مفصلة: عمالة سلا
مدينة سلا هي عاصمة العمالة التي تحمل نفس الاسم، والذي توجد بها بلديتين حضريتين هما (سلا وسيدي بوالقنادل) واثنتين ريفيتين (عامر و السهول). وقدر إجمالي عدد سكان المحافظة في عام 2004 وفقا لآخر تعداد سكاني 823,485 نسمة [24].
التجمعات السكانية
تشكل سلا، مع مدن الرباط (بما في ذلك البلديات الرباط وتوارغة)، تمارة وسيدي بوالقنادل، تجمعا سكانيا، بين التعدادات لعام 1994 و2004، زاد عدد سكان من 1,340,659 نسمة إلى 1,622,929 نسمة[24].
| بلدية | السكان في عام 1994 | السكان في عام 2004 |
|---|---|---|
| سلا | 579,850 | 760,186 |
| الرباط | 615,401 | 621,480 |
| توارغة | 8,056 | 6,452 |
| تمارة | 130,793 | 225,497 |
| سيدي بوالقنادل | 6,569 | 9,314 |
| المجموع | 1,340,659 | 1,622,929 |
تقع البلديات الخمس التي تشكل هذا التجمع السكاني في ثلاث عمالات مختلفة، وتلك من الرباط وسلا والصخيرات تمارة، تشكل مع إقليم الخميسات جهة الرباط سلا زمور زعير [24].
الرباط هي العاصمة السياسية والإدارية للمغرب، عاصمة عمالة الرباط، وفقا لتعداد وطني لعام 2004، هي سادس مدينة من حيث عدد السكان في المغرب، في حين تأتي سلا في المرتبة الرابعة من حيث السكان. ولكن خلال التعداد الوطني عام 1994، كانت مدينة الرباط أكثر سكانا من سلا، مما يدل على الانفجار السكاني التي يعاني منها سلا في ضوء الاستقرار النسبي من الرباط الذي ارتفع عدد سكانها أقل من 10,000 نسمة في عشر سنوات. في حين أنها كانت من أكثر سكانا من سلا في عام 1994 بفرق 35,551 نسمة، في عام 2004 مدينة سلا تقدمت على الرباط من حيث عدد السكان ب 138,706 نسمة.توارغة، « المدينة الملكية » بالرباط، وتقع في قلب العاصمة، والتي هي واحدة من أربع بلديات من المغرب ذو وضع خاص، عرفت من 1994 إلى 2004 بنسبة انخفاض غير طبيعي في عدد السكان ابتداء ب 8,080 وانتهاء ب 6,452 نسمة، حوالي 20٪ [24].
مقالة مفصلة: العائلات السلاوية القديمة
تسجل رسميا العائلات السلاوية القديمة منذ تاريخ ذكرهم لأول مرة في الأدب أو السجلات؛ أقدم الأسر لا تزال موجودة في سلا وسكنت المدينة بين التاسع والقرن السابع عشر.
وتفيد وثائق تاريخية وجود أكثر من مائتي أسرة أخرى بين الثامن عشر إلى القرن العشرين، على الرغم من أن بعضها ربما أكثر رسوخا في مدينة سلا، التي لا يكاد يتجاوز عدد سكانها 50,000 نسمة فجر الاستقلال في عام 1956. ولكن، من هذا التاريخ، ضرب الانفجار السكاني لسكان المدينة بنسبة 10 في مساحة 40 عاما، وذلك بسبب جاذبيتها: ماضيها المجيد، سمعتها كمدينة للمقاومة الرئيسية (مكافحة المستوطنون الفرنسيون في بداية 1930)، وعلى وجه الخصوص. قربها من العاصمة الرباط [9].
العمارة والتخطيط الحضري
المدينة القديمة
الأسواق
أسواق مدينة سلا تتمتع بشعبية جيدة بفضل حرفها وثقافتها منظمة على شكل تجمع لحي لكل حرفة. نجد : القيسارية (لبيع الأقمشة والمجوهرات)، الخَّرازين (الإسكافيون)، الشراطين(بائعوا خيوط الصوف)، الحجامين (الحلاقون)، النجارين (صناع فن النجارة)، العطارين (بائعوا الثوابل) وغيرها، إضافة إلى سوق الكبير وسوق الغزل الشهيرين [21][30].
إلى ساحة « السوق الكبير » كان يأتي القرويون من القرى والمداشر التي تحيط بمدينة سلا يحملون سلعهم لبيعها لسكان المدينة العتيقة. في تلك السنوات من القرن الماضي، كان معظم سكان المدينة يسكنون في سلا العتيقة. لكن الأحوال انقلبت، إذ أصبح معظم سكان العتيقة من المهاجرين الذين وفدوا من القرى والبلدات المجاورة، وتشتت سكان المدينة الأصليون بين بعض الأحياء، مثل «بطانة» و«تابريكت» و«حي السلام».
كان القرويون الذين يأتون من أمكنة بعيدة يمضون ليلتهم في «الفندق»، وهو اسم يعني في العامية المغربية المكان الذي يمكن أن تمضي فيه الليل أنت ودابتك، سواء كان بغلا أو حمارا، لقاء بعض الدريهمات.
« سوق الغزل » يشكل معلمة تاريخية منذ أزيد من نصف قرن، يتكون من التجار المختصين في بيع الملابس الجاهزة، والأواني المنزلية الفضية والنحاسية، إلى جانب بعض الأشياء المستعملة والتحف النادرة من بعض المصنوعات التقليدية الإبداعية المهددة بالانقراض، إلى غيرها من ضروريات العيش وكمالياته، يحكي العديد من شيوخ المنطقة الطاعنين في السن، أن البقعة الأرضية التي يقام عليها السوق، كانت في الأصل من ضمن ممتلكات عقارية لسيدة تدعى « الصبيحية »، في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي، وهي التي وهبتها لعدد من الباعة والتجار على سبيل التبرع من أجل استغلالها، حيث كانت في البداية على شكل مايعرف في الذاكرة السلاوية القديمة بـ «سوق الدلالة»، الغنية عن التعريف، لا في باقي المدن المغربية [31][32].
المنازل
إنَّ المتأمل في الهندسة المعمارية للمنازل في المدينة العتيقة يستطيع أي يتلمس بوضوح التنوع الحضاري والعرقي لسكانها الذين عاشوا فيها على امتداد قرون من الزمن. ويهيمن النمط العربي الإسلامي بأسواره وشرفاته العالية الحديدية المعقدة الصنع، وبالأبواب الخشبية المدرعة والتي يتفنن السكان في زخرفتها بالمسامير والأقواس والحلق، إذ كانت تمثل المؤشر الوحيد لترف العائلة في مجتمع محافظ وبنيان ملتصق. وفي هذا البنيان نجد أيضاً النمط الغربي للأجانب من مسيحيين ويهود واليهود العرب. الذين عاشوا جميعاً جنباً إلى جنب في مجتمع وحيد منسجم وفي كنف الاحترام والتسامح لعدة قرون قبل أن يغادروا أواسط القرن العشرين.
الأسوار والأبواب
على غرار باقي المدن المغربية العتيقة حصنت المدينة بسور منيع يصل طوله إلى أربعة كيلومترات وخمسمائة متر(4،5 كلم) ممدودة على مساحة تقدر ب 90 هكتار. تعتبر أسوار مدينة سلا المقابلة للأخرى بمدينة الرباط إحدى الحصون الدفاعية الأولى للمدينة، بنيت عبر حقب تاريخية مختلفة، دعمت بأبراج عظيمة لحماية المدينة من غارات الأساطيل الأجنبية [33].
أبواب
عندما ستصل إلى مدينة سلا ستجد في استقبالك السور التاريخي الذي يحيط بالمدينة بأكملها، هذا السور الذي تخترقه عدة أبواب لكل باب منها تسميته وكانت تقفل عند اقتراب أذان للعصر حماية للمدينة [33].
-
- باب المريسى
بِمُجرَّد دُخُولك لمدينة سلا ننصحك بزيارة باب المريسى وهُو أكبر باب تاريخي بالمغرب بني في مدينة سلا من طرف السلطان المريني أبو يوسف يعقوب بن عبد الحقحيث أنه شارك مشاركة فعلية في أعمال البناء، بين سنوات 658 و 668 هجري (1270 و 1280 ميلادي) ،المعمارون أو معلمو البناء أوالحرفيون الذين شاركوا في تصميم المبنى أو تنفيذه: حسب رواية الناصري، فإن المعماري الذي أشرف على المشروع يدعى محمد بن علي، وأصله من إشبيلية، الميناء المحمي، الذي يمكن استخدامه كدار للصناعة (صناعة السفن)، والذي يوصل المدينة بوادي أبي رقراق. ويُقدم واجهة حجرية تزينها زخرفة جميلة منحوتة بنقائش كتابية وتشبيكات زهرية. يحصن برجان مستطيلان، يبلغ بروزهما 2.20 متر وعرضهما 3.50 أمتار، قوسا كبيرا على شكل حدوة حصان منكسر، تصل فتحته إلى حوالي 9 أمتار وترتفع قمته، رغم تعلية الأرضية وتراكم الرمل بالحوض والقناة وتغطيتهما، إلى 9.60 أمتار[34].
-
- باب سبتة
وسمي بذلك لأن الذاهب إلى مدينة سبتة انطلاقا من مدينة سلا كان لابد أن يمر عبر هذا الباب [34].
-
- باب بوحاجة
باب كبير هدم في الستينات. يحمل اسم الولي الصالح الأندلسي سيدي إبراهيم بوحاجة الرندي، وهو الذي كان يحافظ على زاوية النساك في القرن الرابع عشر [34].
-
- باب شعفة
وهو رائع التصميم [34].
-
- باب معلقة
تطل على المقبرة والبحر، كانت مخصصة للسلطان عندما كان يزور الأماكن المقدسة بالمدينة [34].
-
- باب جديد
باب صغير بدون فائدة كبيرة، يستخدم ابتداء من ستينيات القرن الماضي كمستودع [34].
-
- باب دار الصناعة
بناه السلطان أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني سنة 658 هـ (1261 م) بإشراف المهندس الأندلسي محمد بن الحاج الإشبيلي. ويُعرف بباب الفران وفيه ترسانة ومصنع أسلحة القراصنة.[34].
-
- باب الخميس
باب فاس سابقا وهو مدخل المدينة من الشرق [34].
-
- باب الفرد [34]
أبراج
-
- برج باب سبتة
بني في سنة 1738 من قبل الحاكم عبد الحق فنيش، وهناك كانت تدار شؤون المدينة [35].
-
- برج الدموع
أو السقالة القديمة تم بناؤها عام 1759 من طرف السلطان سيدي محمد بن عبد الله، وتوجد بها مدافع مصنوعة من البرونز [35]. و يسمى أيضا ببرج سيدي بنعاشر
-
- برج الروكني
يدعى أيضا برج الكبير أو السقالة الجديدة شيدت في عام 1853 من قبل أبو الفضل عبد الرحمن بن هشام [36].
-
- برج الملاح
يوجد قرب باب المريسى [37].
-
- برج المُثمن
سمي بذلك لأنه يحتوي على 8 أضلاع.
آخرى[عدل]
-
- قصبة كناوة
بناها السلطان مولاي إسماعيل سنة 1807 م، لتكون سُكنى لحامية من عبيد البخاري وتسمى أيضا « بالقصبة الإسماعيلية » أو « قصبة الحريشة » وتوجد بحي سيدي موسى.
-
- الرياحات
وهي عبارة عن نوافذ كبيرة نوعا ما توجد بأعلى الصور وتسمح بدخول الريح والهواء.
-
- المدافع والقلاع الحربية
محاذية لضريح الولي الصالح سيدي أحمد بنعاشر و لبرج الدموع.
-
- سور الماء العظيم
معروف بسور الأقواس، تم تشييده في العصر الموحدي (1130-1269) وجدده السلطان أبو الحسن المريني سنة 1333 م، وهو عبارة عن قناة مائية محمولة على سور طوله 14 كلم.
-
- دار البارود
شُيِّدت بأمر من السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام سنة 1846 من أجل تخزين البارود والسِّلاح المُعَدّْ للجهاد، كما استعملت كمنزل لعديد من البشاوات.
المباني الدينية[عدل]
المساجد والمدارس الدينية[عدل]
-
- المسجد الأعظم
يظل جامع المسجد الأعظم بسلا و ما يعرف لدى الساكنة السلاوية بالجامع الكبير ويُعتبر ضمن المآثر الروحية والعلمية التي تميز المدينة، ويعتبر من أعظم المساجد في العالم الإسلامي، جرى توسيعه وإعادة بنائه في عهد السلطان الموحدي أبو يوسف يعقوب بن يوسف المنصور سنة 593 هـ (1196 م) ، وكان أول من ولي الخطبة فيه على عهد مؤسسه يعقوب المنصور الفقيه أبا محمد عبد الله ابن سليمان الأنصاري قاضي مدينتي سلا ورباط الفتح.
أقيم المسجد الأعظم فوق مساحة شاسعة تزيد عن 5070 مترا مربعا، تغطي مربعا منحرف الشكل، وتضم ساحته أسوارا عالية، قاعتين للصلاة وثلاثة صحون ومجموعة من الملحقات، وجاء كباقي المساجد الموحدية ليضاهي أكبر الجوامع الإسلامية بأعمدته العالية وأقواسه المختلفة الأشكال وتصميمه المحكم[38].
-
- مسجد الشهباء
هو ثاني مسجد بني بسلا من طرف الموحدون حوالي 1075. بني من قبل السلطان المرابطي يوسف بن تاشفين في النصف الثاني من القرن الحادي عشر و أعيد ترميمه في أواسط القرن العشرين [39].
-
- مسجد سيدي أحمد حجي
- المدرسة المرينية
شيدها السلطان أبو الحسن علي بن السلطان أبي سعيد المريني بين سنة 1330 و1341، قرب المسجد الأعظم [40].
-
- المدرسة البوعنانية
أكثر معرفة عند السلاويين بفندق أسكور أو دار القاضي أو ما يسمى بالمارستان الطبي التي شيدها السلطان أبو الحسن علي بن عثمان وأكملها ابنه أبي عنان فارس المريني سنة 1345 [41].
الزوايا والأضرحة[عدل]
تضم سلا العتيقة اليوم عددا كبيرا من الأولياء والصلحاء تضاربت أسماء بعضهم واختلفت عند العوام؛ وتفاوتت أضرحتهم من حيث الأهمية والتنظيم، منها ما هو معروف على الصعيد الوطني كضريح الولي الصالح سيدي عبد الله بن حسون الذي اقترن اسمه بموكب الشموع، وضريح الولي الصالح سيدي أحمد بنعاشر، الذي اشتهر عند العوام بإبراء الزوار المصابين بالصرع والأمراض العقلية، وهناك زوايا لها أنشطة إشعاعية وموسمية خاصة في المولد النبوي الشريف، وأكثر الأضرحة في سلا عبارة عن أماكن مهجورة هي مأوى للفقراء والمساكين، وأخرى لا تعرف إلا كأسماء لدروب وأزقة [42][43].
وفيما يلي قائمة الزوايا والأضرحة بسلا [44]:
المؤسسات الثقافية[عدل]
المتاحف[عدل]
-
- متحف دار بلغازي
من المتاحف الرئيسية في سلا يقدم مجموعة متنوعة خاصة الآلات الموسيقية (الأندلسية والبربرية)، والأسلحة القديمة والملابس التقليدية، والسجاد، والنوافير مزينةبالزليج، القطع النقدية، والنصوص القرآنية وغيرها الكثير.
-
- متحف الفخار ب« الولجة »
- متحف السيراميك
بنيت في القلعة القديمة ببرج الدموع منذ سنة 1994.
-
- المتحف البحري بسلا
سوف يعرض قريبا مدافع بحرية من البرونز تعود إلى عهد جمهورية بورقراق ورواق مع العديد من نماذج السفن. ويتم تنظيم موضوع المتحف إلى ثلاث فترات: قبل إسلام المغرب إلى فترة المرينيين، الوقت المريني إلى عهد القرصنة، ثم منذ حكم الرشيد بن علي الشريف إلى اليوم.
-
- متحف باب الخميس
المكتبات[عدل]
-
- مكتبة الزعري
من أقدم المكتبات العربية بسلا، أسست في العقد الثاني للقرن العشرين، كانت توجد بحي القشاشين.
-
- الخزانة العلمية الصبيحية
من أشهر المكتبات بسلا والمغرب.
-
- مكتبة الناصري
مكتبة خاصة للمؤرخ أحمد بن خالد الناصري.
-
- مكتبة المسجد الأعظم
بها الوثائق التاريخية والدراسات الإسلامية.
-
- مكتبة عبد الرحيم بوعبيد
- مكتبة سعيد حجي
- مكتبة المير
توجد بالحواتين
-
- مكتبة القادري
توجد بالشراطين
-
- مكتبة الزيزي
توجد بسانية الحسناوي
-
- مكتبة العمري
توجد بالقشاشين
-
- مكتبة الطرابلسي
توجد بالسوق الكبير
اللهجة السلاوية
مقالة مفصلة: لهجة سلاوية
اللهجة العربية السلاوية هي لهجة محلية مستعملة في سلا لا يزال يتحدث بها العديد من العائلات السلاوية القديمة. فهي لهجة قريبة من اللهجة « الرباطية » و« الفاسية » أو « التطوانية » نجد فيها تحولات خاصةبالعربية الأندلسية. في الواقع الهجرات المتتالية التي شهدتها المدينة وثقافتها تركت بصمة على اللغة العربية بالمدينة.
قد أثر وصول بعض الأندلسيين المسلمين وأيضا بعد طرد الموريسكيين من إسبانيا إلى سلا إلى حد كبير لغة الكلام في ذلك الحين، بذلك نجد بعض الكلمات مأخودة من الإسبانية أو التركية. للتحولات المترتبة عن العربيةالأندلسية بعض الخصوصيات، فهي تميل إلى تأنيث أو تصغير الكلمات نجد كمثال : « شجيرة » تصغير « شـجرة »، « تـفيفحة » تصغير « تـفاحـة ». تَشكَّل هذا الكلام مع مرور الوقت حتى خلق لهجة خاصة بالمدينة نسمعها اليوم دائما في لغة العائلات ذات الأصول السلاوية.
العادات والتقاليد
موسم الشموع
مقالة مفصلة: موكب الشموع
هذا التقليد السلاوي يعود إلى عهد أحمد المنصور الذهبي (سلطان المغرب من 1557 إلى 1603) الذي كان معجب جدا خلال منفاه في الدولة العثمانية (1557 حتى1576) بموكب الشموع بمناسبة عيد المولد النبوي. لذلك قرر أن يحضره إلى المغرب، وأقيم هذا المهرجان للمرة الأولى في مدينة مراكش. ثم انتشر هذا التقليد في جميع أنحاء المغرب. عقدت مدينة سلا أول موسم لها في 1579 [69][70].
شهر رمضان
مقالات مفصلة: رمضان (شهر)- ليلة القدر
كان أهل سلا يحتفلون بليلة السابع والعشرون من رمضان في كل عام، حيث كانت تأتيها الوفود من جميع أنحاء بلاد المغرب لتشاركها هذا الاحتفال. فكانت الخيام تنتشر حول المساجد وتزدان الأسواق والمتاجر، وترفع المغارم، ويقوم أهل الخير بإقامة الولائم الكبيرة حيث كانت توزع اللحوم والسمن والحلوى، كما كان يحضرها المغنون والمنشدون ويشهدها الجميع [11].
ظاهرة العداوة بين الرباطيين والسلاويين
ويرجع الباحث جمال بامي ظاهرة العداوة بين الرباطيين والسلاويين إلى عام 1407 م، وهي السنة التي وقع فيها طرد الموريسكيين من إسبانيا، الذين استقبلتهم أرض سلا العتيقة. ولما استقر هؤلاء بالمدينة، قام الفقهاء السلاويون المتشددون يعبرون عن امتعاضهم واستيائهم من هذا الوافد الجديد، بسلوكياته المخالفة للمألوف من الروح الإسلامية كما تعارف عليها أهل سلا [71].
وأمام هذا التبرم الشعبي من وجودهم، والذي عبر عن نفسه بأشكال كثيرة من المضايقات اليومية، ارتحل هؤلاء المورسكيون إلى أحياء معزولة في مدينة الرباط، ولحقتهم سخرية أهل سلا، حيث كانوا يسمونهم « مسلميالرباط »، في حين كان يقول أهل الرباط عن السلاويين «أهل سلا أهل بلا»، (من البلاء) [71].
وانتقلت هذه المناوشات من المجال اليومي إلى المجال الأدبي والشعري والأدب الشفهي، ما جعل العداوة تنقلب في كثير من الأحيان إلى نزاعات وحساسات لا فكاك منها. إذ يقول المثل الشعبي المتداول آنذاك معبرا عن هذه الحالة: «لو صار النهر (أبي رقراق) حليبا، والرمل زبيبا، ما صار السلاوي للرباطي حبيبا». ويقول شاعر رباطي قادحا في أهل سلا: «أهل سلا أهل بلا، مناقيرهم من حديد، يؤذون الناس من بعيد»، ويرد عليه شاعر سلاوي متفاخرا بمدينته، ومستفيدا من اللعبة اللفظية :
| أرى النفس تزهو في سلا من سلوها | ويعلوها في الرباط ضرب من القنط |
ويؤيد هذا التفاخر السلاوي شاعر معاصر هو أحمد بن عباس القباج، إذ يقول مستثمرا دلالة طبيعية خلقية، وهي كف اليد بأصابعها الخمسة، التي تشبه في هيئتها كلمة سلا، فيقول [71]:
| لو لم تكن خير البلاد بأرضنا | لم يرسم الله اسمها في كفنا |
ويكشف هذا البيت الحديث عن أن الحساسية المتوارثة بين المدينتين ظلت ترسباتها مستمرة حتى وقت قريب [71]..
